الحكيم الترمذي
63
أدب النفس
فاشتغلت عنه ، فسهوت ولهوت عن ربك الكريم ، الذي خلقك فسواك فعدّلك ، وجمّل صورتك ، ودعاك فأعطاك وحياك ، وأمّلك ، ومنّاك ، ومن عظيم الخطر ومن ظلمة الكفر نجّاك . فهذا الذي وصفنا من تركك الشهوات ، وتجنبك اللذات ، ليس تحريم الذي أحل اللّه به ، ولكن تأديب لنفسك ، ورياضة لها ؛ لأن هذه النعم ، إنما أمرت وأذن لك في تناولها ، على الأدب الذي أدّبت به على لسان الكتاب والرسول ، فلما ساء أدبك لما فيه من أخلاط السوء ، التي مالت بك ، لم تجد بدّا من أن تعظمها مرة ، حتى يجد القلب فراغا إلى تعلم الأدب ، فتأخذ طريقا ، فأما قلب معلق بالشهوات ، مأسور باللذات ، مقهور بالمنى ، محبوس في سجن الهوى ، في بئر مظلمة « 1 » ، فكيف يمكنه أن يتناول ما أعطى بإذن اللّه ، فإن بعض من خفى عليه هذا النوع من العلم ، كبر في صدره هذا ، حتى ربما يفرح إلى الاحتجاج بقول اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما
--> ( 1 ) في الأصل « مظلم » .